ابن عطية الأندلسي
418
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى : وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ الآية ، فقال الحسن : معناه تخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن ، وروي نحوه عن سلمان الفارسي ، وروى الزهري أن النبي صلى اللّه عليه وسلم دخل على بعض أزواجه فإذا بامرأة حسنة النغمة فقال : من هذه ؟ قالت إحدى خالاتك فقال : إن خالاتي بهذه البلدة لغرائب ، أي خالاتي هي ؟ قالت : خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث فقال النبي عليه السلام : سبحان الذي يخرج الحي من الميت ، وكانت امرأة صالحة وكان أبوها كافرا وهو أحد المستهزئين الذين كفاهم النبي عليه السلام . قال أبو محمد : فالمراد على هذا القول موت قلب الكافر وحياة قلب المؤمن والحياة والموت مستعاران ، وذهب جمهور كثير من العلماء إلى أن الحياة والموت في الآية إنما هو الحياة حقيقة والموت حقيقة لا باستعارة ، ثم اختلفوا في المثل التي فسروا بها فقال عكرمة : هو إخراج الدجاجة وهي حية من البيضة وهي ميتة وإخراج البيضة وهي ميتة من الدجاجة وهي حية ولفظ الإخراج في هذا المثال وما ناسبه لفظ متمكن على عرف استعماله ، وقال عبد اللّه بن مسعود في تفسير الآية : هي النطفة تخرج من الرجل وهي ميتة وهو حي ويخرج الرجل منها وهي ميتة . قال القاضي أبو محمد : ولفظ الإخراج في تنقل النطفة حتى تكون رجلا إنما هو عبارة عن تغير الحال كما تقول في صبي جيد البنية : يخرج من هذا رجل قوي ، وهذا المعنى يسميه ابن جني : التجريد أي تجرد الشيء من حال إلى حال هو خروج . وقد يحتمل قوله تعالى : وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ * أن يراد به أن الحيوان كله يميته فهذا هو معنى التجريد بعينه وأنشد ابن جني على ذلك : أفاءت بنو مروان ظلما دماءنا * وفي اللّه - إن لم ينصفوا - حكم عدل وروى السدي عن أبي مالك قال في تفسير الآية : هي الحبة تخرج من السنبلة والسنبلة تخرج من الحبة ، والنواة تخرج من النخلة والنخلة تخرج من النواة والحياة في النخلة والسنبلة تشبيه ، وقوله تعالى : بِغَيْرِ حِسابٍ قيل معناه بغير حساب منك لأنه تعالى لا يخاف أن تنتقص خزائنه ، هذا قول الربيع وغيره ، وقيل معنى بِغَيْرِ حِسابٍ أي من أحد لك ، لأنه تعالى لا معقب لأمره ، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر « الميت » بسكون الياء في جميع القرآن . وروى حفص عن عاصم « من الميّت » بتشديد الياء ، وقرأ نافع وحمزة والكسائي « الميّت » بتشديد الياء في هذه الآية ، وفي قوله : لِبَلَدٍ مَيِّتٍ [ الأعراف : 57 ] و إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ [ فاطر : 9 ] وخفف حمزة والكسائي غير هذه الحروف ، قال أبو علي : الْمَيِّتِ هو الأصل والواو التي هي عين منه انقلبت ياء لإدغام الياء فيها وميت التخفيف محذوف منه عينه أعلت بالحذف كما أعلت بالقلب ، والحذف حسن والإتمام حسن وما مات وما لم يمت في هذا الباب يستويان في الاستعمال . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : وذهب قوم إلى أن « الميت » بالتخفيف إنما يستعمل فيما قد مات ، وأما « الميّت » بالتشديد فيستعمل فيما مات وفيما لم يمت بعد .